العجيب أننا نبحث قد نبحث عن أشياء ثم بعد فترة نكتشف أنها قريبة جدا منا.
حتى أننا نتفاجىء كيف لم ننتبه إليها من البداية. ربما فى خضام الحياة ننسى
العديد من الأشياء الرائعة فى حياتنا .فحقا لا يشعر بالنعمة إلا من حرم منها
فلله الحمد والمنة على هذه النعمة العظيمة ومصدر الراحة الذى لا راحة بعده.
فحقا هل تريد السعادة؟؟ إذا أردتم السعادة فالتوحيد أولا.
أما عن التوحيد:
فالتوحيد فى اللغة من مصدر وحد أى جعل الشىء واحدا؟
والتوحيد فى الشرع هو إفراد الله عز وجل بما يختص به من البوبية والألوهية والأسماء
والصفات. قال تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله).
وقد قسم علماء التوحيد التوحيد إلى ثلاث أقسام رئيسة:
أولا توحيد الربوبية:
وهو إفراد الله عز وجل بالخلق والملك والتدبير وهذا النوع من التوحيد لم ينكره أحد
حتى فرعون ادعى انه إله ولكن فى قرارة نفسه كان يوقن انه له خالق والدليل أنه لما
أدركة الغرق قال (ءامنت أنه لا إله إلا الذى أمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين).
حتى الملاحدة يدعون انه ليس للكون خالق ولكنهم دائما مايشهدون على أنفسهم
تحدى أحد الملحدين- الذين لا يؤمنون بالله- علماء المسلمين في أحد البلاد، فاختاروا
أذكاهم يرد عليه، وحددوا لذلك موعدا.وفي الموعد المحدد ترقب الجميع وصول العالم،
لكنه تأخر.قال الملحد للحاضرين: لقد هرب عالمكم وخاف، لأنه علم أني سأنتصر عليه،
وأثبت لكم أن الكون ليس له إله !وأثناء كلامه حضر العالم المسلم واعتذر عن تأخره،
ثم قال: وأنا في الطريق إلى هنا، لم أجد قاربا أعبر به النهر، وانتظرت على الشاطئ،
وفجأة ظهرت في النهر ألواح من الخشب، وتجمعت مع بعضها بسرعة ونظام حتى
أصبحت قاربا، ثم اقترب القارب مني، فركبته وجئت إليكم. فقال الملحد: إن
هذا الرجل مجنون، فكيف يتجمح الخشب ويصبح قاربا دون أن يصنعه أحد،
وكيف يتحرك بدون وجود من يحركه؟!فتبسم العالم، وقال: فماذا تقول عن نفسك
وأنت تقول: إن هذا الكون العظيم الكبير بلا إله؟! .
ولله در هذا الأعرابى الأمى حينما قال(البعرة تدل على البعير، وأثر السير يدل على
المسير،سماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج،
أفلا يدل ذلك على اللطيف الخبير).
ثانيا توحيد الألوهية:
وهو إفراد الله عز وجل بالعبادة لأنه وحده عز وجل المستحق للعبادة والعبادة هى اسم
جامع لكل مايحبه الله ويرضاه.و هى كمال الذل مع كمال الحب لله جل وعلا.
فلا تتوجه بالصلاة أو الدعاء أو أى لون من ألوان العبادة إلا لله عز وجل
فليس من المعقول أن ينعم عليك ربك وتشرك غيره فى الشكر أو عندما تريد منه
حاجة تذهب فتلتمس وسيطا من موتى الصالحين بينك وبينه مثل ما يحدث
عند قبور الأولياء أو ان تذر بنذر لغير الله عز وجل
فهذا نوع من الشرك ونقص فى جانب توحيد الألوهية عند الكثير.
ولله در الشاعر:
لله في الآفاق آيات لعلّ أقلها هو ما إليه هداك.
و لعل ما في النفس من آياته عجب عجاب لو ترى عيناك
و الكون مشحون بأسرار إذا حاولت تفسيرًا لها أعياك
قل للطبيب تخطفته يد الردى: من يا طبيب بـطـبّه أرداك ؟
قل للمريض نجا و عوفيّ بعدما عجزت فنون الطب: من عافاك ؟
قل للصحيح يموت لا من علة: من بالمنايـا يـا صحيح دهاك ؟
قل للبصير و كان يحذر حفرة، فهوى بها: من ذا الذي أهواك ؟
بل سائل الأعمى خطا بين الزحام بلا اصطدام: من يـقود خطاك ؟
قل للجنين يعيش معزولا بلا راع و مرعى: ما الذي يرعاك ؟
قل للوليد بكى و أجهش بالبكاء لدى الولادة: ما الذي أبكاك ؟
و إذا ترى الثعبان ينفث سمه فسأله: من ذا بالسموم حشاك ؟
و اسأله: كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا و هذا السم يملأ فاك ؟
و اسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهدا… و قل للشهد: من حلّـاك ؟
بل سائل اللبن المصفى كان بين دم و فرث: ما الذي صفّاك ؟
و إذا رأيت الحيّ يخرج من حنايا ميت فسأله: من يا حيّ قد أحياك ؟
قل للنبات، يجف بعد تعهد و رعاية: من بالجفاف رماك ؟
و إذا رأيت النبت في الصحراء يربو وحده فسأله: من أرباك ؟
و إذا رأيت البدر يسرى ناشرا أنواره فسأله: من أسراك ؟
و اسأل شعاع الشمس يدنو، و هي أبعد كل شيء: ما الذي أدناك ؟
قل للمرير من الثمار: من الذي بالمر من دون الثمار غذاك ؟
و إذا رأيت النخل مشقوق النوى فسأله: من يا نخل شق نواك ؟
و إذا رأيت النار شبّ لهيبها فسأل لهيب النار: من أوراك ؟
و إذا ترى الجبل الأشمّ مناطحا قمم السحاب فسله : من أرساك ؟
و إذا ترى صخرا تفجر بالمياه فسله: من بالماء شق صفاك ؟
و إذا رأيت النهر بالعذب الزلال سرى فسله: من الذي أجراك ؟
و إذا رأيت البحر بالملح الأجاج طغى فسله : من الذي أطغاك ؟
و إذا رأيت الليل يغشى داجيا فسأله: من يا ليل حاك دجاك ؟
و إذا رأيت الصبح يسفر ضاحيا فسأله: من يا صبح صاغ ضحاك ؟
ستجيب ما في الكون من آياته عجب عجاب لو ترى عيناك
ربى لك الحمد العظيم لذاتك… حمدا… و ليس لواحد إلاك
يا مدرك الأبصار و الأبصار لا تدرى لَهُ و لِـكُنهِ إدراكا
إن لم تكن عيني تراك فإنني في كل شئ أستبين علاك
و أرى مُنبِتَ الأزهار عاطرة الشذى … ما خاب يوما من دعا و رجاك
يا مجرى الأنهار عاذبة الندى: ما خاب يوما من دعا و رجاك
يا أيها الإنسان : مهلا ما الذي بالله جلّ جلاله أغراك ؟؟؟
فهل بعد هذا يوجد احد يستحق العبادة غير الله !!!
ثالثا توحيد الأسماء والصفات:
وهو إفراد الله عز وجل بما له من الأسماء والصفات ويتضمن شيئين:
الأول: الإثبات بمعنى إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات.
ثانيا نفى المماثلة عملا بقوله تعالى (ليس كمثله شىء وهو السميع البصير)
وكما يقول علماء التوحيد وكل ما خطر ببالك فالله عز وجل بخلاف ذلك. فلا تمثل فيما
تعرفه عن الله عز وجل بل نقر ونثبت هذه الأسماء وهذه الصفات ولا نسقطها
على عقولنا البسيطة. لأن كل ما خطر ببالك فالله عز وجل فوق ذلك..
الطريق إلى التوحيد:
أولا تحقيق معنى لاإله إلا الله
وهى نفى بلا واستثناء ب إلا دليل على أنه لا إله ولا معبود بحق إلا الله.
وحقيقتها هى البراء من عبادة مادون الله عز وجل أواشراكهم فى أمر من أمور العبادة.
وكذلك كفر بالطاغوت (والطاغوت كل ماعبد من دون الله). وعن أبي سعيد الخدري
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قال موسى عليه السلام:
يا رب!علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به، قال: يا موسى! قل لا إله إلا الله، قال: يا رب!
كل عبادك يقولون ذلك، قال: يا موسى! لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري
والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهنَّ لا إله إلا الله }.
ثانيا تحقيق أركان الإيمان:وهى:
1-الإيمان بالله (سبق توضيحه).
2-الإيمان بالملائكة : فنحن نوقن بوجود الملائكة وأنهم مخلوقون من نور وإن لم نراهم
نؤمن بكل يقين وصدق فيما أخبر به الله عز وجل عنه فى كتابه أو على لسان رسله.
3-الإيمان بالكتب السماوية: فنحن نؤمن بالتوراة والإنجيل ونتبرأ إلى الله من
تحريف اليهود والنصارى فيها وكذلك نؤمن بالقرأن الكريم وانه أخر الكتب السماوية
وانه محفوظ من الله عز وجل من اى تحريف.
4-أن نؤمن بالرسل: فنحن نؤمن بالرسل جميعا ونوقن بأن محمدا صلى الله عليه وسلم
هو أخر النبيين ولا نبى بعده ونؤمن بكل ما أخبرنا به نبينا وبأنه أدى الأمانة .
5-الإيمان باليوم الأخر: فكلنا يقين باليوم الأخر وحدوثة ومجيئة وأن هذه الدنيا إلى
زوال ونوقن بكل ما يتعلق بالأخرة موت وبعث وحشر وميزان وصراط ونار وجنة
كما جاء فى كتاب الله وعلى لسان رسول الله.
6- الإيمان بالقدر خيره وشره: وفى الحقية اننا كثيرا ما نفرط فى هذا الجانب
فعند المكروه ترانا نجزع ولا نصبر ونفتقد اليقين فى أن ما حدث هو الخير لنا.
ينبغى أن نؤمن بقدر الله ونحمده على السراء والضراء فكلنا يقين فى
تدبير الله عز وجل لنا.ولله در الشاعر حينما قال:
يا رب أنت خلقتني وبرأتني *** جمَّلت بالتوحيد نطق لساني
وهديتني سبل السلام تكرمًا **** ودفعتني للحمد والشكران
وغمرتني بالجود سيلا زاخرًا *** وأنا أقابل ذاك بالكفران
فلك المحامد والثناء جميعه *** والشكر من قلبي ومن وجدان
فلأنت أهل الفضل والمنِّ الذي *** لا يستطيع لشكره الثقلان
أنت الكريم وباب جودك لم يزل *** للبخيل تعطي سائر الأحيان
أنت الحليم بنا وحلمك واسع *** أنت الحليم على المسيء الجاني
أنت القوي وأنت قهار الورى *** لا تعجزنَّك قوة السلطان
أنت الذي آويتني وحبوتني *** وهديتني من حيرة الخذلان
ونشرت لي في العالمين محاسن *** وسترت عن أبصارهم عصياني
والله لو علموا قبيح سريرتي **** أبى السلام عليَّ من يلقاني
ولأعرضوا عني وملُّوا صحبتي *** ولبؤت بعد كرامة بهوان
لكن سترت معايبي ومثالبي *** وحلمت عن سقطي وعن طغياني
لبيك يا رب بكل جوارحي *** لبيك من روحي وملء جناني
اجعل رجائيَ في ثوابك رائدي *** واقبل مقلَّ الجهد في التبيان
يا رب لا تجعل جزائيَ سمعة *** تسري على البلدان والأكوانِ
أنت المضاعف للثواب فإن يكن *** مثقال خردلة على الميزان
تعطي المزيد من الثواب مضاعفًا *** من غير تحديد ولا حسبان
فلك المحامد والمدائح كلها *** بخواطري وجوانحي ولساني
أما عن جزاء التوحيد:
فلست أعتقد أن هناك جزاء أكبر ولا اعظم من جزاء التوحيد لأنك بالتوحيد
تضع قدمك بإذن الله فى الجنة .
عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أنه قال: (كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم
على حمار،فقال لي: (يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟)
فقلت: الله ورسوله أعلم،قال: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاًَ،
وحق العباد على اللهأن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً) فقلت: يا رسول الله،
أفلا أبشّر الناس؟ قال: (لا تبشرهم فيتّكلوا) متفق عليه
و عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم:
"من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله وأن
عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق
أدخله الله الجنة على ما كان من العمل."
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبر أنه يصاح برجل من أمته يوم القيامة على
رؤوس الناس وهم مجموعون في مكان واحد، يعني يدعى باسمه: يا فلان بن فلان!
هلم تعال.فيأتي والناس ينظرون إليه. وإتيانه هنا إما أن يكون فضيحة يفضح بها على
رؤوس الناس،أو يكون شرفاً وذكراً وفضلاً وسعادة يسعد بها تنشر في العالم كله
من أولهم إلى آخرهم،فيؤتى به، فإذا حضر بين يدي الله نشر له تسعة وتسعون سجلاً،
والسجل كتاب مسجل عليه،أي: تسعة وتسعون كتاباً، وأما كبره وطوله فالله أعلم.
فيقال له: أتنكر من هذا شيئاً؟
-وكل أعماله سيئات من أولها إلى آخرها- فيقول: لا يا رب، هذه أعمالي.
فيقول الله جل وعلا له: أظلمتك الكتبة؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: ألك عذر؟ فيقول: لا.
فيقول الله جل وعلا له: ألك حسنة؟ فيهاب ويقول: لا. فيقول الله جل وعلا: بلى.
إن لك عندنا حسنة واحدة فيخرج له بطاقة صغيرة مكتوب فيها: أشهد ألا إله إلا الله.
فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة أمام هذه السجلات -أي ماذا تصنع-؟ فيقال: إنك لا تظلم
شيئاً.ويؤتى بالميزان فتوضع السجلات في كفة الميزان وتوضع البطاقة
في الكفة الأخرى فتطيش السجلات وترتفع وتثقل البطاقة بهذه السجلات الكثيرة.
فإنظر الى حسن الجزاء فلله الحمد والشكر على هذه النعم العظيم وأعاننا الله
على ضعف إيماننا.
فهل حقا يوجد بعد تحقيق التوحيد سعادة؟
دمتم على التوحيد دمتم على السعادة